في كثير من المشاريع التجارية ومنظمات القطاع العامة، تختزل العلامة التجارية في شعار أو ألوان أو اسم جذاب، وكأنها خطوة تجميلية تضاف في نهاية الطريق، لا جزءا من بدايته. وهذا الفهم هو أحد أسباب تعثر العلامات التجارية، لإن العلامة في جوهرها ليست شكلا، بل معنى يتكون، وسلوكا يمارس، وتجربة تتراكم مع الوقت. ولهذا يختصر “جيف بيزوس” الفكرة بدقة حين يقول: «العلامة التجارية هي ما يقوله الناس عنك عندما لا تكون في الغرفة»، وما يبقى في غيابك هو العلامة الحقيقية، لا ما تعلنه عن نفسك، ومن الضروري توضيح معنى العلامة التجارية كما هي في الواقع، لا كما تقدم في العادة؛ فهي ليست الشعار، ولا الألوان، ولا الحملات الإعلانية وحدها، بل ما يتجاوزها جميعا.
وتعني العلامة التجارية: الانطباع المتراكم الذي يتكون لدى الناس نتيجة ما تقدمه المؤسسة من قول وفعل وسلوك، وما يشعر به الآخرون بعد كل تجربة، وهي ذاكرة تبنى مع الزمن، وليست قرارا يتخذ مرة واحدة. لذلك، فإننا سنتحدث من خلال هذا المقال عن الأركان العشرة الأساسية المكونة للعلامة التجارية وهو ليس طرحا نظريا، بل وصف تتكون فيه معنى العلامة خطوة بعد خطوة.
(1) الغرض
الغرض هو نقطة البداية. لماذا وجدت هذه العلامة؟ وما المشكلة التي تسعى إلى حلها؟ العلامة التي تفهم غرضها تدرك أن قيمتها لا تقاس بما تبيعه، بل بالأثر الذي تتركه. كما في حالة TOMS التي ربطت الشراء بفعل إنساني، فتحول القرار التجاري إلى معنى يتجاوز الصفقة. وبالمنطق نفسه، يظهر الغرض عندما تقدم العلامة بوصفها دورا طويل المدى يتجاوز النشاط التجاري، كما في شركة أرامكو حيث يرتبط الغرض بالطاقة والاقتصاد والاستدامة، لا بالمنتج وحده.
(2) الرؤية
من الغرض تتشكل الرؤية. الرؤية هي الصورة التي تسعى العلامة إلى الوصول إليها في المستقبل. ليست عبارة مكتوبة، بل اتجاه يقود القرار اليومي. رؤية مايكروسوفت بوضع حاسوب على كل مكتب كانت واضحة وقابلة للتصديق، ولهذا حركت المنظمة لسنوات طويلة. ويظهر منطق مشابه في تحول شركة الاتصالات السعودية stc من شركة اتصالات إلى منصة رقمية، حيث سبق وضوح الرؤية توسع الخدمات.
(3) الرسالة
الرسالة توضح كيف تعمل العلامة اليوم لتحقيق رؤيتها. ماذا تعد به الناس؟ وكيف تلتزم بذلك في الواقع؟ رسالة ستاربكس لم تركز على القهوة، بل على التجربة، ولهذا انعكس معناها على سلوك الموظفين وطريقة التفاعل. وبالطريقة نفسها، تظهر الرسالة عندما تربط الصناعة بالمسؤولية والاستدامة في الممارسة اليومية، كما في حالة سابك.
(4) القيم
لكن الرسالة لا تنفذ دون قيم. القيم تظهر عندما يكون القرار صعبا، لا عندما يكون سهلا. تجربة Zappos توضح كيف تتحول القيم إلى معيار عملي في التوظيف وخدمة العملاء، لا إلى عبارات إنشائية. القيم إما أن تمارس، أو تفقد معناها.
(5) موقف العلامة في السوق
بعد ترسيخ الداخل، يبرز سؤال الموقع: كيف تريد العلامة أن ترى مقارنة بالآخرين؟ موقف العلامة يحدد مكانها في ذهن الجمهور ومثال ذلك: موقف Avis حين قالت «نحن رقم 2، لذلك نحاول أكثر» لم يكن مجرد صياغة ذكية، بل اعترافا صادقا صنع تميزا واضحا.

(6) شخصية العلامة
هذا الموقف يظهر في شخصية العلامة. هل هي رسمية أم قريبة؟ هادئة أم جريئة؟ Mercedes-Benz اختارت الفخامة والثقة، بينما اختارت Red Bull الجرأة والمغامرة. العلامة لا تحتاج أن تشبه الجميع، بل أن تكون واضحة في شخصيتها.
(7) نبرة الصوت واللغة
ومن الشخصية تأتي اللغة. كيف تتحدث العلامة، وبأي اسلوب؟ في عصر المحتوى، اللغة عنصر مؤثر. تجربة Mozilla توضح كيف يمكن للعلامة أن تكون ذكية دون تعال، وبسيطة دون تسطيح. اللغة الجيدة تجعل الجمهور يشعر بأنه مفهوم، لا مستهدف.
(8) الرسالة الاساسية
مع وضوح العناصر السابقة، يمكن اختصار العلامة في فكرة واحدة. هذه هي الرسالة الاساسية. GEICO رسخت فكرتها بجملة واضحة، تكررت بصيغ مختلفة حتى أصبحت جزءا من الذاكرة.
(9) نظام الهوية البصرية
الهوية ليست الشعار، بل النظام الذي يعمل معه مثل: الألوان، والخطوط، والأنماط، والاتساق البصري. ومثال ذلك : قوة شركة Apple لم تكن في التصميم وحده، بل في الاتساق الذي جعل المنتج يعرف حتى دون ذكر الاسم.
(10) تعبير العلامة التجارية
واخيرا، يأتي التعبير. هنا تتحول الأفكار السابقة إلى تجربة حقيقية فكل تفاعل هو اختبار للعلامة، وكما يقول كيفن لين كيلر المتخصص في التسويق: «قوة العلامة التجارية تقاس باتساق التجربة عبر جميع نقاط الاتصال»، والعلامة القوية تحافظ على المعنى نفسه مهما اختلفت القنوات.
“الهوية المؤسسية تشبه سمعة الإنسان، إنك تبني السمعة عندما تقوم بعمل الأشياء الصعبة بطريقة صحيحة.” جيف بيزوس
خاتمة المطاف
بناء العلامة التجارية لا يبدأ بالشعار، ولا ينتهي بالحملة إنما يبدأ بسؤال عن المعنى، ويستمر بسلوك متسق، ويختبر في كل تجربة، والأركان العشرة التي تم ذكرها ليست خطوات منفصلة، بل مسار واحد يتقدم فيه الوضوح قبل الظهور، والصدق قبل الانتشار. العلامات التي تصمد لا تفعل ذلك لأنها أجمل، بل لأنها اوضح في سبب وجودها، اثبت في افعالها، وأقرب الى الناس في تجربتها. هنا فقط تتحول العلامة من شكل يعرض، إلى معنى يعاش.